العيني

74

عمدة القاري

حجاباً من النار ) . قال : كنت أعرف ذلك ، ولكن أوهمت الحديث فكرهت أن أحدث به على غير ما كان ، ثم ركب راحلته ورجع . وقال ابن وهب : أخبرني عمرو بن الحارث ، عن أبيه عن مولى لخارجة عن أبي صياد الأسود الأنصاري ، وكان عريفهم ، أن رجلاً قدم على مسلمة بن مخلد ، فلم ينزل ، وقال : أرسل معي إلى عقبة بن عامر ، فأرسل معه أبا صياد ، فقال الرجل لعقبة : هل تذكر مجلساً لنا فيه عند النبي ، عليه الصلاة والسلام ؟ فقال : نعم . فقال : ( من ستر عورة مؤمن كانت له كموؤودة أحياها ) فقال عقبة : نعم ، فكبر الرجل ، قال : لهذا ارتحلت من المدينة ، ثم رجع . والصحيح أن المراد من قوله : في حديث واحد ، هو الذي أخرجه البخاري في كتاب ( الرد على الجهمية ) آخر الكتاب ، فقال : ونذكر عن جابر بن عبد اللَّه عن عبد اللَّه بن أنيس : سمعت النبي ، عليه الصلاة والسلام ، يقول : ( يحشر الله العباد فيناديهم ، بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب : أنا الملك أنا الديان ) لم يزد البخاري على هذا ، ورواه أحمد وأبو يعلى في ( مسنديهما ) من طريق عبد اللَّه بن محمد بن عقيل أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يقول : بلغني عن رجل حديث سمعه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فاشتريت بعيراً ، ثم شددت رحلي فسرت إليه شهراً حتى قدمت الشام ، فإذا عبد اللَّه بن أنيس ، فقلت للبواب : قل له جابر بن عبد اللَّه على الباب . فقال : ابن عبد اللَّه ؟ قلت : نعم . فخرج فاعتنقني ، فقلت : حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، فخشيت أن أموت قبل أن أسمعك . فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( يحشر الله الناس يوم القيامة عراة غرلاً بهماً ، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب : أنا الملك ، أنا الديان ، لا ينبغي لأهل الجنة أن يدخل الجنة واحد من أهل النار يطلبه بمظلمة حتى يقتصه منه حتى اللطمة قال : وكيف ، وإنما نأتي عراة غرلاً ؟ قال : بالحسنات والسيئات وأخرجه ابن أبي عاصم في كتاب العلم عن شيبان : حدثنا همام ، حدثنا القاسم بن عبد الواحد ، حدثني عبد اللَّه بن محمد بن عقيل أن جابراً حدثه . . . إلى آخره . وأخرجه أيضاً الحارث بن أبي أسامة في مسنده عن هدبة عن همام بسنده نحوه . وأخرجه أيضاً نصر المقدسي في كتاب ( الحجة على تارك المحجة ) عن علي ابن طاهر : حدثنا الحسين بن خراش ، حدثنا أحمد بن إبراهيم ، ثنا علي بن عبد العزيز ، ثنا أبو الوليد الطيالسي ، ثنا همام إلى آخره . فإن قلت : ذكر أبو سعيد بن يونس بسنده عن جابر قال : بلغني حديث في القصاص عن عقبة بن عامر ، وهو بمصر ، فاشتريت بعيراً فشددت عليه رحلاً وسرت إليه شهراً حتى أتيت مصر وذكر الحديث . وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين ، وتمام في ( فوائده ) من طريق الحجاج بن دينار عن محمد بن المنكدر عن جابر ، قال : كان بلغني عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث في القصاص ، وكان صاحب الحديث بمصر ، فاشتريت بعيراً فسرت حتى وردت مصر ، فقصدت إلى باب الرجل . . . ، فذكر نحو الحديث المذكور ، وإسناده صالح . وروى الخطيب في كتاب ( الرحلة ) ، من حديث عبد الوارث بن سعيد عن القاسم بن عبد الواحد عن ابن عقيل عن جابر قال : تقدمت على ابن أنيس بمصر . . . ورواه أيضاً ، من طريق عيسى الغنجار عن عمر بن صالح عن مقاتل بن حبان عن أبي جارود العبسي عن جابر ، فأتيت مصر فإذا هو بباب الرجل ، فخرج إليَّ وفيه : ( والرب على عرشه ينادى بصوت رفيع غير فظيع ) . . . الحديث . قلت : يحتمل أن يكونا واقعتين : إحداهما لعبد اللَّه بن أنيس ، والأخرى : لعقبة بن عامر ، رضي الله عنهما . قوله : ( عراة ) جمع عار . قوله : ( غرلا ) ، بضم الغين المعجمة وسكون الراء جمع أغرل وهو : الأقلف . وقوله : ( بهما ) ، بضم الباء الموحدة ، قال الجوهري : ليس معهم شيء ، ويقال أصحاء . قلت : يعني ليس فيهم شيء من العاهات : كالعمى والعور وغيرهما ، وإنما أجساد صحيحة للخلود ، إما في الجنة وإما في النار . والبهم في الأصل الذي يخالط لونه لون سواد . قوله : ( فيناديهم بصوت ) قال القاضي المعنى يجعل ملكاً ينادي ، أو يخلق صوتاً ليسمعه الناس ، وأما كلام الله تعالى فليس بحرف ولا صوت ، وفي رواية أبي ذر ( فينادي بصوت ) على ما لم يسم فاعله . الخامس : ادعت جماعة أن البخاري قد نقض قاعدته ، وذلك أن من قواعده أنه يذكر التعليق إذا كان صحيحاً بصيغة الجزم . وإذا كان ضعيفاً بصيغة التمريض ، وهنا قال : ورحل جابر بن عبد اللَّه بصيغة الجزم ، وقال في أواخر ( صحيحة ) : ويذكر جابر بصيغة التمريض ، وأجاب عنه الشيخ قطب الدين بأنه جزم : بالرحلة دون الحديث ، فعند ما ذكر الحديث اتى بصيغة التمريض ، فقال : ويذكر عن جابر بن عبد اللَّه . 78 حدّثنا أَبُو القاسِمِ خالِدُ بنُ خلِيٍّ قال : حدّثنا مُحمَّدُ بنُ حَرْبٍ قال : قال الأَوْزَاعِيُّ : أخبرنا الزُهْرَي )